مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ
هذا جواب القسم الذي انتُظر منذ مطلع السورة، وفيه رد صريح على ما قالته المرأة المشركة وما همس به المشركون حين احتبس الوحي. والمعنى عند أئمة التفسير: ما تركك ربك يا محمد ولا أهملك ولا قطع ما بينه وبينك من الصلة، وما أبغضك ولا مقتك. وقد تقدم في سبب النزول ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عند تفسير سورة الضحى، وفي كتاب فضائل القرآن، ورواه مسلم في صحيحه، من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه في قول المرأة: «مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ»، فأنزل الله هذه الآيات. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن «التوديع» هنا بمعنى الترك والقطع، وأن «القلى» هو البغض؛ فجمع النفي بين الأمرين ليستوعب جهتي التهمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم الجواب مع القسم انتظاماً دقيقاً: أقسم بالنور الظاهر والظلام الساكن، ثم نفى الترك والبغض؛ فكأنه قال: كما أن تعاقب هذين لا يخرج عن التدبير، فكذلك ما وقع من إمساك الوحي لا يخرج عن العناية. وجاء الجواب منفياً لا مثبتاً؛ لأن المقام مقام رفع تهمة قائمة، ورفع التهمة يكون بالنفي أولاً ثم بالإثبات ثانياً؛ ولذلك تلاه في الآيتين بعده الإثبات: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ}، {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ}.