وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
هذا التكليف الثالث الذي خُتمت به السورة؛ والمعنى: وأما نعمة ربك عليك ــ وأعظمها النبوة والقرآن والهداية ــ فحدث بها وأظهرها واذكرها شكراً لله وتبليغاً لعباده. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بالنعمة هنا نعمة النبوة والوحي على وجه الخصوص؛ لأنها المذكورة في سياق السورة والمشكوك فيها عند المشركين؛ وقال آخرون: هي عامة في كل نعمة أنعم الله بها. والقولان مؤتلفان؛ فيدخل فيها ما ذُكر في السورة من الإيواء والهداية والإغناء دخولاً أولياً. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن التحدث بالنعمة شكر لله وداعية إلى محبته؛ إذ القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت السورة بأشرف التكاليف وأعمها؛ إذ التحدث بالنعمة شكر باللسان يستوعب النعم كلها، بعد أن كان النهيان السابقان إحساناً بالفعل يخص صنفين من الناس. وفي هذا الختام رد لطيف على مقالة المشركين التي كانت سبب النزول؛ إذ زعموا أن ربه ودعه، فأُمر أن يحدث بنعمته عليه؛ فيكون التحديث بالنعمة نفسه إبطالاً لدعواهم بأبلغ من المجادلة. ثم إن السورة بدأت بذكر منّة الله عليه وختمت بأمره بإشاعتها؛ فانتظم أولها بآخرها انتظاماً محكماً.