فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
لما عدّد الله سبحانه المنن الثلاث، رتب عليها ثلاثة تكاليف؛ فبدأ بما يقابل المنّة الأولى. والمعنى: فأما اليتيم فلا تغلبه على حقه ولا تحقره ولا تسئ معاملته ولا تذله؛ بل اخفض له جناحك وأحسن إليه، متذكراً حالك حين كنت يتيماً فآواك ربك. وقرأ الجمهور {فَلَا تَقْهَرْ}، وقرئ في غير المشهور {فلا تكهر} بالكاف بمعنى العبوس في وجهه؛ والقراءة المتواترة هي الأولى. وأشار القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية إلى أن النهي عن القهر يتناول كل صور الاستطالة على اليتيم في نفسه أو ماله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم من الخبر إلى الإنشاء، ومن الامتنان إلى التكليف؛ وهو انتقال طبيعي؛ إذ النعمة تستدعي الشكر، والشكر عمل. وجاء ترتيب التكاليف موافقاً لترتيب المنن في الأولى والثانية معكوساً في الأخيرتين على وجه لطيف: قوبل اليتم بالنهي عن قهر اليتيم مباشرة، وقوبل الإغناء بالنهي عن انتهار السائل، وقوبلت الهداية بالأمر بالتحدث بالنعمة؛ فجاء الأمر الأخير في مقابلة أشرف المنن، وخُتم به لأن التحدث بالنعمة أعم التكاليف وأدومها.