وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ
هذا التكليف الثاني؛ والمعنى: وأما السائل فلا تزجره ولا تغلظ له في القول ولا تردّه بعنف؛ بل إن أعطيته فبطيب نفس، وإن لم تجد فردّه رداً جميلاً بقول لين، كما قال تعالى: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا}. وذهب المفسرون في المراد بـ «السائل» إلى قولين: أنه سائل المال المحتاج، وأنه سائل العلم والمسترشد؛ ورجح كثير من المحققين شمول اللفظ لهما؛ لأن اللفظ مطلق والحاجة إلى العلم أشد من الحاجة إلى المال. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى ارتباط هذا النهي بالمنّة السابقة في قوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا النهي بعد النهي عن قهر اليتيم؛ فاجتمع في المقطع الوصية بصنفين من الضعفاء: من فقد العائل ومن فقد المال. والتناسب مع المنّة الثالثة ظاهر؛ فالذي أُغني بعد عيلة أحق الناس بأن يرفق بمن لا يزال في العيلة. ثم إن ترتيب النهيين على وتيرة واحدة ({فَلَا تَقْهَرْ} و{فَلَا تَنْهَرْ}) مع تقارب الجرس بينهما يجعلهما كالقاعدة الواحدة في حفظ كرامة الضعيف من جهتي الفعل والقول.