وَالضُّحَىٰ
وَالضُّحَىٰ
افتتح الله تعالى هذه السورة بالقسم بوقت الضحى؛ وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويشتد ضياؤها ويعم الأرض دفؤها. وذهب جمهور المفسرين من السلف إلى أن المراد به هذا الوقت المعروف من النهار، وقال بعضهم: المراد النهار كله؛ لأن الضحى أشرف أجزائه فعبر به عن جملته، ويشهد لهذا مقابلته بالليل في الآية بعدها؛ إذ لا يقابل الليلَ إلا النهارُ. وقد ثبت سبب نزول هذه السورة بما رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عند تفسير سورة الضحى، وفي كتاب فضائل القرآن، ورواه مسلم في صحيحه، عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: «اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}». وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير الآية الأولى من سورة الضحى أن اختيار الضحى للقسم في هذا المقام مقصود؛ لأنه وقت انبساط النور بعد انحسار الظلمة، وهو نظير حال الوحي بعد فترته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن يُبدأ بالقسم لا بالجواب؛ لأن المقام مقام إزالة شبهة وقعت في نفوس ورُميت بها الدعوة، ومقام تسكين قلبٍ ناله من احتباس الوحي ما ناله. فالقسم هنا توطئة تشد انتباه السامع وترفع درجة التلقي قبل إلقاء الحكم؛ ثم إن المقسَم به نفسه حجة على المقسَم عليه لا مجرد تعظيم؛ فالضحى الذي غاب بالأمس ثم عاد اليوم أوضح شاهد على أن الغياب المؤقت ليس فناءً.