وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ
هذه المنّة الثانية؛ والمعنى المحرر عند أئمة التفسير: وجدك غير عالم بتفاصيل الشرائع ومعالم النبوة وأحكام الوحي فهداك إليها وعلمك ما لم تكن تعلم. وقيل: وجدك لا تعرف الطريق حساً فهداك، إشارة إلى ما وقع له في صغره من ضلال الطريق. وقيل: وجدك في قوم ضُلّال فهداك وهداهم بك. والمعنى الأول هو الذي عليه جمهور المحققين، ويشهد له قوله تعالى في موضع آخر: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن «الضلال» في اللسان يطلق على عدم الاهتداء إلى المطلوب، لا على مقارفة الباطل؛ فليس فيه غميزة في عصمته ﷺ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه المنّة وسطاً بين الإيواء والإغناء؛ لأنها أشرفها وأعلاها؛ والعرب تضع الأشرف في الوسط لتكتنفه الأطراف. ثم إن ترتيبها بعد الإيواء مناسب للواقع؛ فإن كفاية البدن مقدمة زمناً على تعليم الوحي. ولها بالسياق العام صلة وثيقة: فإن الذي شكا منه المشركون هو انقطاع الوحي؛ فذُكّر ﷺ بأن هذا الوحي نفسه إنما هو منّة سابقة من الله عليه، فمن ابتدأه بالهداية ابتداءً لا يقطعها عنه انتهاءً.