أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
افتتح الله سبحانه السورة بتقرير أعظم منّة أنعم بها على نبيه صلى الله عليه وسلم، وهي شرح الصدر. و«الشرح» في أصل اللغة: البسط والتوسعة والفتح؛ يقال: شرحت اللحم إذا بسطته، وشرحت المسألة إذا وسّعت بيانها. والمراد بشرح الصدر هنا عند أهل التأويل: توسعته لتلقي الوحي وحمل أعباء النبوة، وملؤه بالحكمة والعلم والحلم، وتهيئته للصبر على أذى الناس والدعوة إلى الله. وذكر جماعة من المفسرين أن من جملة ما دخل في هذا الشرح ما وقع من شق صدره صلى الله عليه وسلم؛ وقد ثبت ذلك فيما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه؛ وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الشرح المذكور في السورة أعم من حادثة الشق، وأن الشق من آثاره ومظاهره لا حقيقته كلها. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن شرح الصدر يستلزم انفساحه لمعرفة الله ومحبته والإقبال عليه، وأنه أعظم ما يُعطاه العبد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن تُفتتح السورة بالمنة الباطنة قبل المنن الظاهرة؛ فلم يبدأ بذكر النصر ولا بالتمكين ولا بالرزق، بل بدأ بشرح الصدر؛ لأنه الوعاء الذي تُحمل فيه سائر العطايا. ثم إن هذا الافتتاح متصل بخاتمة سورة الضحى اتصالاً وثيقاً؛ فقد ختمت تلك بالأمر بالتحدث بالنعمة: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، فجاءت هذه مبتدئة بتعداد النعم التي يُتحدَّث بها؛ فكأن السورة الثانية امتثال لختام الأولى. ومجيء المنة الأولى بصيغة الاستفهام التقريري دون الإخبار المحض مقصود؛ لأن المقام مقام تسلية وتثبيت، والتقرير يستدعي من المخاطب استحضار ما يعلمه من نفسه؛ فيكون أوقع في التسلية من الإخبار عما لا يشهده.