يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ
تحكي الآية أخطر أقوالهم وترد عليه: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة المنافقون، أن قائل ذلك عبد الله بن أُبيّ؛ عنى بالأعز نفسه ومن معه، وبالأذل النبي ﷺ والمؤمنين؛ فرد الله عليه بأن العزة له ولرسوله وللمؤمنين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذه هي الكلمة التي سمعها زيد بن أرقم رضي الله عنه فأبلغ بها النبي ﷺ، فحلف قائلها أنه ما قال، حتى نزلت السورة بتصديق زيد؛ والحديث ثابت في الصحيحين؛ أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة المنافقون، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في هذه الواقعة منقبة ظاهرة لزيد بن أرقم رضي الله عنه؛ إذ نزل القرآن مصدقاً لخبره. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، أن ختمها بـ{وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} — بعد أن ختمت التي قبلها بـ{لَا يَفْقَهُونَ} — تنويع دقيق؛ فالأولى نُفي عنهم فيها فقه الوسائل، والثانية نُفي عنهم فيها علم الحقائق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تصعيداً لما قبلها؛ فقد كانت الوسيلة الأولى منع النفقة، وهذه دعوى صريحة بالغلبة والإخراج؛ فانتقلوا من الحصار إلى التهديد بالطرد. وقد ختمت الآيتان بفاصلتين متقاربتين مع اختلاف دقيق: {لَا يَفْقَهُونَ} في الأولى و{لَا يَعْلَمُونَ} في الثانية؛ فناسب نفي الفقه — وهو إدراك العواقب — خطتهم في الحصار؛ وناسب نفي العلم — وهو إدراك الحقائق — دعواهم في العزة؛ إذ جهلوا حقيقة من له العزة. ثم إن هذه الآية خاتمة المقطع الثاني، ومنها ينتقل السياق إلى نداء المؤمنين؛ فبعد أن استوفى كشف القوم، التفت إلى الأمة ليحصّنها من الباب الذي دخلوا منه.