وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
يفتتح المقطع الثاني بتصوير إعراضهم عن باب النجاة المفتوح لهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة المنافقون، أن المعنى: إذا دُعوا إلى أن يأتوا رسول الله ﷺ ليستغفر لهم من نفاقهم ويعتذروا إليه، أمالوا رؤوسهم إعراضاً واستهزاء؛ ونقل عن مجاهد أن {لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ} أي حركوها استهزاء. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا من كمال عتوهم؛ إذ عُرض عليهم أهون الأمرين وأنفعهما فأبوا واستكبروا. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {لَوَّوْا} بالتشديد يفيد التكثير والمبالغة؛ أي فعلوا ذلك مرة بعد مرة؛ وأن {يَصُدُّونَ} هنا بمعنى يعرضون. وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة، أن ختمها بـ{وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} تعليل لإعراضهم؛ فالمانع لهم من قبول الدعوة الكبر لا الجهل بفائدتها؛ وهذا أشد؛ إذ الجهل يُعالج بالبيان والكبر لا يُعالج إلا بكسر النفس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد الأمر بالحذر منهم في الآية قبلها؛ فبعد أن قُرر أنهم العدو، بُيّن أن الباب لم يُغلق دونهم ابتداءً؛ بل عُرض عليهم أن يأتوا ليُستغفر لهم فأبوا. وفي هذا إقامة للحجة عليهم قبل الحكم النهائي في الآية السادسة. ثم إن ذكر الاستكبار هنا يربط بين هذه السورة وسنة قرآنية مطردة: أن الاستكبار هو الجذر النفسي لرد الحق. ولاحظ أن السياق بعد ذلك ينتقل إلى تخذيلهم بالمال في الآية السابعة؛ فترتب المقطع الثاني على تدرج: إعراض عن التوبة، فحكم بامتناع المغفرة، فكشف لمكيدتهم، فإبطال لدعواهم؛ وهو تدرج من الموقف الديني إلى الموقف الاجتماعي إلى الموقف السياسي.