ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
ترجع الآية بحالهم إلى علتها الأصلية: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة المنافقون، أن المعنى: فعلهم ذلك بسبب أنهم أقروا بالإيمان بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم؛ وقيل: آمنوا في الظاهر ثم كفروا في السر؛ فطبع الله على قلوبهم أي ختم عليها فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الطبع عقوبة على ما اقترفوه؛ فهو أثر لفعلهم لا ابتداء منه سبحانه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الطبع" الختم؛ يقال: طبع الكتاب إذا ختمه؛ فمعناه أنه لا سبيل إلى ما في داخله. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة، أن نفي الفقه عنهم دون نفي العلم مقصود؛ فإن الفقه إدراك المعاني على وجه التدبر والانتفاع، وهم قد يعلمون الظواهر ولا ينفذون إلى المقاصد؛ فسُلبوا الفقه لا مجرد العلم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معلّلة لما تقدم كله؛ فبعد أن ذُكرت شهادتهم الكاذبة واحتماؤهم بالأيمان وصدهم عن السبيل، رجع السياق إلى بيان السبب الجامع: طبع لحق القلوب بعد اختيارهم الكفر بعد الإيمان. وفي هذا الترتيب حكمة تربوية؛ إذ لو قُدّمت العلة لظن السامع أنهم مجبورون على ما هم فيه؛ فلما أُخّرت بعد عرض أفعالهم عُلم أن الطبع جزاء لا ابتداء. ثم إن هذه الآية تمهد للآية الرابعة؛ فإن من طُبع على قلبه صار ظاهره غير باطنه؛ فيأتي وصف أجسامهم وأقوالهم مطابقاً لهذا التقرير. وهي كذلك تفسر ما سيأتي في الآية السادسة من قطع الرجاء في نفعهم بالاستغفار؛ فالطبع مانع من الانتفاع.