يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
يلتفت السياق إلى المؤمنين بالتحصين من مدخل الفتنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة المنافقون، أن المعنى: لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن طاعة الله وأداء فرائضه؛ وأن {ذِكْرِ اللَّهِ} يعم الصلوات المفروضة وسائر ما أمر به. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا نهي للمؤمنين عن أن يشغلهم المال والولد عن الآخرة؛ وأن قوله {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} حكم قاطع على من وقع في ذلك. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن اختصاص المال والولد بالذكر لأنهما أعظم ما تتعلق به النفوس من متاع الدنيا؛ وأن ما سواهما داخل فيهما بالمعنى. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة، إلى أن إسناد الإلهاء إلى الأموال والأولاد مجاز؛ إذ الملهي في الحقيقة هو انشغال النفس بهما؛ وفائدة هذا الإسناد التنبيه على أن الفتنة كامنة في نفس المتعلَّق به لا في مجرد إرادة العبد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الالتفات من أدق ما في السورة نظماً؛ فبعد ثماني آيات في كشف المنافقين تحوّل الخطاب فجأة إلى المؤمنين. ووجه المناسبة أن السورة لما بيّنت أن أصل داء أولئك تعلق بالدنيا وطلب لعزتها بغير وجهها، حذّرت المؤمنين من أول درجات هذا الداء: أن يُلهيهم المال والولد عن الذكر. فليس المقصود اتهام المؤمنين بالنفاق، بل سد الطريق التي يبدأ منها. ثم يتصل هذا بما قبله اتصالاً آخر؛ فإن المنافقين أرادوا حصار المؤمنين بالمال، فجاء النداء ليقول: احذروا أن يكون المال هو الذي يأسركم من داخل أنفسكم؛ فالخطر من داخل النفس أعظم من الحصار الخارجي. ثم تأتي الآيتان بعدها بالعلاج العملي: الإنفاق قبل فوات الأوان.