وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ
وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ
تنتقل السورة من التحذير إلى العلاج العملي: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة المنافقون، أن المعنى: وأنفقوا في سبيل الله وفي الحقوق الواجبة عليكم مما أعطاكم قبل أن يحضر أحدكم الموت فيسأل الرجعة؛ وأن {لَوْلَا} هنا للتحضيض بمعنى "هلّا". ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن كل مفرط يندم عند احتضاره ويسأل تأخير أجله، وأن تمنيه هذا لا يُجاب؛ وأن قوله {فَأَصَّدَّقَ} أصلها "أتصدق" فأُبدلت التاء صاداً وأُدغمت. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن جمهور المفسرين على أن المراد بالإنفاق هنا ما يشمل الزكاة الواجبة وصدقة التطوع والحج وسائر أبواب البذل؛ وأن تخصيص الصدقة بالذكر في التمني لأنها أنفع ما يُتدارك به. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية العاشرة، أن الجمع بين {فَأَصَّدَّقَ} و{وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} في التمني يدل على أن المحتضر يدرك حينئذ أن المطلوب ليس مجرد بذل المال بل استقامة الحال كلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية علاجاً عملياً للداء الذي حذرت منه الآية قبلها؛ فإذا كان الإلهاء بالمال هو الخطر، فإن الإنفاق هو الدواء؛ إذ به ينكسر تعلق القلب بالمال. وفي ذلك حكمة بالغة: لم تأمر السورة بترك المال بل بإخراج بعضه؛ فيبقى المال في اليد ولا يستقر في القلب. ثم إن تصوير مشهد الاحتضار جاء ليقيم الحجة على النفس بأسلوب لا تملك دفعه؛ إذ يعرض عليها ما ستقوله هي بلسانها في تلك الساعة. ثم تختم الآية التالية المشهد بقطع باب التمني؛ فتكتمل المنظومة: أمر بالبذل، فتصوير للندم، فتقرير لاستحالة التدارك. وبهذا تختم السورة بما يناسب افتتاحها؛ فقد بدأت بقول لا يطابق قلباً، وختمت بتمنٍّ لا يطابق واقعاً.