اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
تكشف الآية وسيلتهم في التستر وأثرها في المجتمع: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة المنافقون، أن المعنى: جعلوا حلفهم بالله وقاية يتقون بها القتل وأخذ الأموال وأن يُعاملوا معاملة الكفار؛ فصدّوا بذلك عن دين الله؛ وذكر أن {فَصَدُّوا} يحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا هم، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صرفوا غيرهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن معنى الجُنّة الوقاية والستر؛ لأنهم يستترون بأيمانهم من أن يُطلع على حقيقتهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الجُنّة" الترس؛ ومنه سمي المجن؛ وكل ما وقاك فهو جُنّة؛ ومنه "الجنين" لاستتاره في البطن، و"الجِنّ" لاستتارهم عن الأبصار. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن ختمها بـ{إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} تعميم للذم بعد تخصيصه؛ فبعد أن ذُكرت خصلة الحلف عُمّم الحكم على جملة أعمالهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال البيان بالمجمل؛ فالآية الأولى أثبتت كذبهم في شهادتهم، وهذه تبين كيف يحمون هذا الكذب من الانكشاف: باتخاذ الأيمان درعاً. ثم عُطف عليه أثره الاجتماعي: الصد عن سبيل الله؛ فانتقل النظم من الجناية على النفس إلى الجناية على الأمة. وهذا الترتيب يمهد للآية الثالثة التي تبين علة هذا كله: الطبع على القلوب. فترتب المقطع الأول على ثلاث درجات: الوصف الظاهر، فالوسيلة، فالعلة. ولاحظ أن قوله {فَصَدُّوا} بالفاء يفيد أن الصد نتيجة مباشرة لاتخاذ الأيمان جُنّة؛ فالستر بالحلف هو الذي مكّنهم من البقاء داخل الصف والعمل على تفكيكه.