إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
تفتتح السورة بكشف مباشر لحقيقة القوم في أول ما يبدر منهم. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المنافقون، أن المعنى: إذا جاءك يا محمد هؤلاء الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ والله يعلم أنك رسوله حقاً، ويشهد أنهم كاذبون في شهادتهم؛ أي في إخبارهم عن أنفسهم بأنهم يشهدون؛ لا في نفس مضمون الشهادة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا هو التحقيق في موضع التكذيب؛ فالتكذيب واقع على دعواهم مواطأة القلب للسان، لا على كون النبي ﷺ رسول الله؛ إذ قد شهد الله بذلك في وسط الآية قبل أن يشهد بكذبهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن سبب نزول السورة ما كان في غزوة بني المصطلق من قول رأس النفاق ما قال، ثم حلفه وإنكاره؛ فأنزل الله السورة تصديقاً لزيد بن أرقم رضي الله عنه؛ والحديث في ذلك ثابت، أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة المنافقون، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى، أن تصدير السورة بـ{إِذَا} الظرفية الشرطية يفيد تكرر هذا المجيء منهم وتكرر هذا القول؛ فليست واقعة عارضة بل دأب مستمر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء افتتاح السورة بهذه الصورة ليكون مدخلاً لكل ما بعدها؛ فقد وُضعت القضية في أول آية: قول لا يطابق قلباً. ثم تفرّعت عنه الآيات: كيف يحتمون من المساءلة (الآية 2)، وما علة انطماس بصائرهم (الآية 3)، وكيف يظهرون للناس (الآية 4). ولاحظ اتصال هذا المطلع بخاتمة سورة الجمعة؛ فقد ختمت بمن انفضّ عن الخطبة لعارض من غير قصد الإضرار، وافتتحت هذه بمن يجيء إلى النبي ﷺ قاصداً إظهار ما ليس في قلبه؛ فالمقابلة بين زلة عابرة وخيانة مبيتة. وفي النظم الداخلي للآية بناء بديع: حكاية شهادتهم، ثم شهادة الله بصدق مضمونها، ثم شهادته بكذبهم؛ فتوسط الإثبات بين الحكاية والتكذيب لئلا يُتوهم توجه التكذيب إلى الرسالة.