هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
تكشف الآية سلاحهم في التخذيل: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة المنافقون، أن هذا من قول رأس المنافقين لأصحابه؛ يريد بذلك أن يمنع النفقة عمن كان عند رسول الله ﷺ من فقراء المهاجرين حتى يتفرقوا عنه؛ وأن الله رد عليهم بقوله {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ أي أن الرزق بيده لا بأيديهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا القول قيل في غزوة بني المصطلق مقروناً بما قاله من دعوى العزة؛ والحديث في الواقعة ثابت من رواية زيد بن أرقم رضي الله عنه؛ أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة المنافقون، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله {مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} وصف لهم بالملازمة والصحبة؛ فذكرهم بهذا الوصف تشريف لهم في مقام أراد المنافقون فيه إذلالهم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة، إلى أن ختمها بـ{وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} تعليل لغباء الخطة؛ فإن من أراد أن يُجوّع قوماً رزقهم بيد الله فقد أظهر جهلاً بأصل من أصول التوحيد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق في هذه الآية من موقفهم الديني إلى مكيدتهم العملية؛ فبعد أن أعرضوا عن التوبة وقُطع الرجاء فيهم، عمدوا إلى محاصرة المؤمنين بقطع المدد المالي. وفي هذا تدرج طبيعي: من رفض الحق، إلى محاولة إسقاط أهله. ثم ارتقى السياق في الآية بعدها إلى أخطر من ذلك وهو دعوى الإخراج والغلبة؛ فترتب المقطع على تصاعد في العدوان: منع النفقة، ثم تهديد بالإخراج. ولاحظ الربط بين هذه الآية وخاتمة سورة الجمعة؛ فقد ورد هناك {انفَضُّوا إِلَيْهَا} في حق مؤمنين انصرفوا لعارض، وورد هنا {حَتَّىٰ يَنفَضُّوا} فيمن أراد تفريق الصف قصداً؛ فتكرار المادة بين السورتين رابط لفظي يكشف عن فرق المقصدين.