سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
تحسم الآية القول في مصيرهم بعد إعراضهم: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة المنافقون، أن المعنى: مستوٍ في حقهم استغفارك وتركه؛ لأنهم مصرون على النفاق غير راجعين؛ فلن يغفر الله لهم ما داموا على تلك الحال. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذه الآية نظير قوله في سورة التوبة: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}؛ وأن العلة في الموضعين واحدة وهي الفسق والإصرار. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن التسوية هنا ليست في حق النبي ﷺ من جهة الأجر، بل في حقهم من جهة الانتفاع؛ فالنبي ﷺ مأجور على قصد الخير، وهم محرومون بسبب أنفسهم. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن ختمها بـ{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} تعليل صريح؛ فالمانع من المغفرة وصف قائم بهم هو الفسق، لا بخل من الله بمغفرته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية نتيجة حتمية لما قبلها؛ فبعد أن عُرض عليهم باب الاستغفار فأعرضوا مستكبرين، قُرر أن الاستغفار لم يعد نافعاً في حقهم. وفي هذا الترتيب حكمة ظاهرة: لم يُحكم عليهم بالحرمان ابتداءً بل بعد عرض ورفض؛ فسقطت حجتهم. ثم إن الفاصلة {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} هي عين ما ختمت به الآية الخامسة من سورة الصف؛ فبين السورتين وحدة في تقرير السنة الإلهية في منع الهداية عن الخارجين عن الطاعة. ثم ينتقل السياق بعد ذلك من موقفهم الديني إلى مكيدتهم العملية؛ فكأن السورة تقول: لما يئسوا من موافقة الحق انصرفوا إلى محاربته بالوسائل.