وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
تختم السورة بمعالجة واقعة وقعت في عهد النبوة: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الجمعة، أن سبب نزولها أن عيراً قدمت المدينة وهم في صلاة الجمعة والنبي ﷺ قائم يخطب، فخرج إليها أكثر من في المسجد ولم يبق إلا نفر يسير، فأنزل الله هذه الآية. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ وقد أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة الجمعة، وأخرجه مسلم في كتاب الجمعة، وفيه أن العير كانت قادمة وأن النبي ﷺ كان قائماً يخطب. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن المراد بـ{لَهْوًا} ما كان يُصاحب قدوم العير من ضرب الطبل ونحوه إعلاناً بقدومها؛ وأن هذا كان في أول الأمر قبل أن تستقر الأحكام في نفوسهم. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية عشرة، أن إفراد الضمير في {إِلَيْهَا} مع تقدم شيئين — التجارة واللهو — لأن العناية بالتجارة أشد، فرُدّ الضمير إليها لأنها المقصودة بالذات واللهو تابع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة للسورة ومعالجة عملية لكل ما تقدم فيها. فالسورة قررت المنّة بالبعثة، ثم عابت من حُمّل الكتاب فلم يحمله، ثم شرّعت الجمعة وأدبها؛ فجاءت هذه الآية لتعالج خللاً وقع في التطبيق؛ فكانت السورة نظرية وتطبيقاً في نسق واحد. ولاحظ الترتيب البديع في قوله {مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}؛ فقد ذُكر اللهو أولاً في الرد بعد أن ذُكرت التجارة أولاً في الحكاية؛ وفي ذلك نكتة سيأتي بيانها. ثم إن ختم السورة بالتجارة يربطها بسورة الصف السابقة التي عرضت التجارة الرابحة؛ فكان بين خاتمة هذه ومطلع تلك مقابلة محكمة. ويتصل هذا الختام أيضاً بسورة المنافقون التالية؛ إذ ستفتتح بوصف من أظهر خلاف ما أبطن، وستعالج فيها قضية إلهاء الأموال والأولاد عن ذكر الله.