ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
تختم هذه الآية المقطع الأول بتقرير أن ما تقدم كله محض فضل: {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة من سورة الجمعة، أن الإشارة عائدة إلى ما تقدم من بعث الرسول في الأميين وتعليمهم الكتاب والحكمة وإلحاق الآخرين بهم؛ وأن المعنى: ذلك عطاء الله وإحسانه يمنحه من يشاء من عباده. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا رد على من حسد هذه الأمة على ما أُوتيت من النبوة والرسالة؛ فقد كان أهل الكتاب يرون النبوة حكراً عليهم. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن هذه الآية جواب لمن اعترض على اصطفاء نبي من العرب. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن ختمها بـ{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فيه توسيع لباب الرجاء؛ إذ لما وصف نفسه بأنه ذو الفضل العظيم عُلم أن فضله لا ينحصر فيما تقدم، وأن خزائنه لا تنفد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة للمقطع الأول وربطاً بينه وبين المقطع الثاني. فهي خاتمة لأنها ترجع بالنعم المذكورة إلى مصدرها الحقيقي فتقطع دعوى الاستحقاق. وهي رابطة لأن ذكر الفضل ومن يستحقه تمهيد لما سيأتي من ذكر من أُوتي فضلاً فلم يقم به؛ إذ سيقول بعدها: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}. فالسياق ينتقل من بيان الفضل المشكور إلى بيان الفضل المكفور؛ فيتقابل الحالان في نسق واحد. ولاحظ أن قوله {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} يقطع منازعة من يزعم لنفسه حقاً في اصطفاء الله؛ وهي المنازعة التي ستُواجه صراحة في الآية السادسة بقوله: {إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ}.