وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
تمتد الرسالة في هذه الآية إلى من وراء الجيل الأول: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة الجمعة، أن {وَآخَرِينَ} معطوف على {الْأُمِّيِّينَ}؛ أي وبعثه في آخرين منهم لم يلحقوا بهم بعدُ وسيلحقون؛ ونقل عن أهل التأويل أقوالاً في تعيينهم: فقيل هم كل من دخل في الإسلام بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل هم الأعاجم، وقيل هم التابعون. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على ما ثبت في الصحيحين في هذا الموضع من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ وقد أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة الجمعة، وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة؛ وفيه أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن هؤلاء الآخرين حين نزلت الآية، وأن سلمان الفارسي رضي الله عنه كان حاضراً، فوضع النبي ﷺ يده عليه وقال ما معناه: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة، أن {لَمَّا} هنا تفيد نفي الفعل مع توقع حصوله؛ فهي أبلغ من "لم"؛ إذ تحمل بشارة بالوقوع في المستقبل. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن ختمها بـ{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تعليل لهذا الامتداد؛ فبعزته أظهر دينه في الآفاق، وبحكمته اختار له من يحمله في كل جيل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال التتمة بالأصل؛ فبعد أن ذُكرت البعثة في الأميين وقد يُتوهم أنها خاصة بهم، جاءت هذه الآية لترفع التوهم وتقرر عموم الرسالة في الزمان والأجناس. وفي هذا تمهيد لما بعده؛ إذ سيأتي في الآية الرابعة {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}؛ فلما ذكر امتداد الرسالة إلى غير الجيل الأول ناسب أن يُقرر أن ذلك محض فضل لا استحقاق. ثم إن ختم الآية بـ{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تكرار لما ختمت به الآية الأولى من سورة الصف؛ وهو ربط بين السورتين في تقرير أن انتشار الدين مقتضى العزة والحكمة معاً.