يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
يفتتح المقطع الثالث بتشريع اجتماع الأمة الأسبوعي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة الجمعة، أن المراد بالنداء الأذان لصلاة الجمعة، وأن معنى {فَاسْعَوْا} امضوا واقصدوا؛ ونقل عن جماعة من السلف أنهم قرؤوها "فامضوا" على وجه التفسير لا على وجه القراءة المتواترة؛ وأن المراد بـ{ذِكْرِ اللَّهِ} الخطبة والصلاة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الله سبحانه اختص هذه الأمة بيوم الجمعة وهداها إليه بعد أن ضل عنه من قبلها؛ وأورد في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أن الله هدى هذه الأمة ليوم الجمعة وأن اليهود والنصارى لهم من بعدها؛ وقد أخرجه البخاري في كتاب الجمعة ومسلم في كتاب الجمعة. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن جمهور الفقهاء على أن السعي المأمور به هنا ليس هو الإسراع في المشي، بل هو القصد والاهتمام؛ لثبوت النهي عن إتيان الصلاة سعياً وإتيانها بالسكينة والوقار؛ وقد أخرج البخاري ومسلم في كتاب الجمعة الأمر بإتيانها بالسكينة. وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة، أن النهي عن البيع في هذا الوقت ليس لذات البيع بل لكونه شاغلاً؛ فالعلة الانشغال عن الذكر لا حرمة المعاملة في نفسها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التشريع بعد مقطع كامل في بيان حال من ضيّع ما حُمّل من الكتاب؛ فكان الانتقال من الإنكار على التفريط إلى بيان الأمر الذي ينبغي ألا يُفرَّط فيه. وفيه أيضاً مقابلة بين أمتين: أمة حُمّلت التوراة فلم تحملها، وأمة تُدعى إلى الاجتماع على ذكر الله فينبغي أن تستجيب. ثم إن هذه الآية مقدمة لما بعدها؛ فالآية العاشرة ترفع الحظر بعد انقضاء الصلاة، والآية الحادية عشرة تعالج ما وقع من الخلل؛ فترتب النظم على ثلاث مراحل: تشريع، فترخيص، فمعالجة. ولاحظ أن قوله {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تكرار للفاصلة التي ختمت بها آية التجارة في سورة الصف؛ وهو ربط بين السورتين في تقرير أن الخلل في الموازنة منشؤه نقص العلم.