هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
تنتقل السورة إلى بيان أعظم منّة على هذه الأمة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة الجمعة، أن "الأميين" هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب يقرؤونه؛ سُموا بذلك نسبة إلى الأم؛ أي أنهم على الحال التي وُلدوا عليها لم يتعلموا الكتابة. وذكر أن {يُزَكِّيهِمْ} أي يطهرهم من دنس الشرك وسيئ الأخلاق، وأن "الحكمة" السنة وما فيها من الفقه والفهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذه الآية نظير قوله في دعوة إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}؛ فكان بعث النبي ﷺ استجابة لتلك الدعوة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله {مِّنْهُمْ} فيه شرف لهم وتنبيه على أن الرسول يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، فليس بغريب عنهم يتهمون أمره. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن قوله {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} بيان لعظم النعمة بذكر الحال السابقة؛ فإن النعمة لا يُعرف قدرها إلا بمعرفة ما كان قبلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية مفصّلة لما أُجمل في وصف الله بالملك القدوس؛ فمن مقتضى ملكه أن يبعث في خلقه رسولاً، ومن مقتضى قدسه أن تكون وظيفة رسوله التزكية والتطهير. وقد رُتبت وظائف الرسالة ترتيباً محكماً: تلاوة الآيات أولاً لأنها المادة الخام للهداية، ثم التزكية لأنها تهيئة الوعاء، ثم تعليم الكتاب والحكمة لأنه ملء الوعاء بعد تطهيره. ثم إن ذكر ضلالهم السابق {لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} تمهيد للمقابلة التي ستأتي في الآية الخامسة بينهم وبين من حُمّل التوراة فلم يحملها؛ فهؤلاء ارتفعوا من الضلال بالعمل، وأولئك سقطوا من العلم بالترك.