قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
تقطع الآية عليهم طريق الفرار: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة الجمعة، أن المعنى: قل لهم يا محمد: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهون ذكره لا مفر لكم منه، فهو لاقيكم لا محالة؛ ثم تُردون بعده إلى الله فيخبركم بما عملتم فيجازيكم عليه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا كقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}؛ ففي الآيتين قطع لكل رجاء في الفرار. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله {مُلَاقِيكُمْ} أبلغ من "يأتيكم"؛ لأن الملاقاة تقتضي المواجهة من الطرفين؛ فكأن الموت يسعى إليهم وهم يسعون إليه فلا بد من التقائهما. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة، أن الجمع بين وصفي {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} في هذا الموضع مقصود؛ لأن أعمالهم منها ما أظهروه ومنها ما أسروه من تحريف ومكر؛ فذُكر الوصفان ليعلموا أن الإحصاء شامل للصنفين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تتمة محكمة للحجة الثلاثية في هذا المقطع: تحدٍّ بتمني الموت، فإخبار بامتناعهم، فتقرير بأن الفرار لا يجدي. فقد سُدّت عليهم الأبواب الثلاثة: باب الدعوى بالتحدي، وباب الادعاء بالإخبار عن الامتناع، وباب الهرب بتقرير حتمية الملاقاة. ثم ارتقى السياق من ذكر الموت إلى ما بعده من الرد والإنباء والجزاء؛ فلم يقف عند نهاية الحياة بل تجاوزها إلى ما هو أخطر. وبهذا يختم المقطع الثاني ليبدأ المقطع الثالث في تشريع الجمعة؛ فكان ذكر لقاء الله والإنباء بالأعمال تمهيداً نفسياً بديعاً للأمر بالسعي إلى ذكره؛ إذ من أيقن باللقاء هان عليه ترك البيع ساعة.