قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
تنتقل الآية إلى محاجّة صريحة تكشف حقيقة الدعوى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة الجمعة، أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقول لهم ذلك؛ لأنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ويزعمون أن الدار الآخرة لهم خالصة؛ فأُلزموا بلازم دعواهم؛ إذ من أيقن أن الآخرة خير له تمنى الوصول إليها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذه مباهلة من نوع خاص؛ فهي احتجاج بلازم القول على بطلان الملزوم؛ ونظيرها قوله في سورة البقرة: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن التعبير بـ{زَعَمْتُمْ} فيه تضعيف لدعواهم من أول الأمر؛ إذ الزعم في كلام العرب يُستعمل غالباً فيما لا تُوثق صحته. وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة، أن هذا التحدي أبلغ من المناظرة الكلامية؛ لأنه ينقل الخصومة من ميدان الجدل الذي يُحسنون المراوغة فيه إلى ميدان الامتحان الذي لا تنفع فيه المعاذير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية نتيجة لازمة للمثل السابق؛ فبعد أن بيّن الله حالهم مع الكتاب، انتقل إلى دعواهم في أنفسهم؛ إذ كيف يجتمع تضييع الأمانة مع دعوى الاصطفاء؟ فالمثل بيان للواقع، والتحدي كشف للدعوى. ثم إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها في المقطع الأول أشد الارتباط؛ فقد قُرر هناك {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}، فجاء هنا الرد على من يزعم لنفسه احتكار هذا الفضل؛ فالآيتان وجهان لقضية واحدة. ثم يتبع التحدي في الآية السابعة بالإخبار عن نتيجته سلفاً: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا}؛ فيكون الإخبار المسبق برهاناً مستقلاً على صدق المتحدي.