يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
تفتتح السورة بإعلان التسبيح الكوني مقروناً بأربعة أوصاف عظام. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الجمعة، أن المعنى: ينزّه الله ويعظّمه ويبرئه مما لا يليق به كل ما في السموات وما في الأرض من خلقه؛ وأن {الْمَلِكِ} وما بعده صفات للفظ الجلالة في قوله {لِلَّهِ}، فلذلك جاءت مجرورة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مفتتح السورة، على أن هذا الافتتاح يجمع بين تنزيه الخالق وبيان كمال ملكه وقدسه وعزته وحكمته. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "القدوس" من القُدس وهو الطهارة والبركة؛ وأن معناه المطهر المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله؛ وأن العرب تسمي الأرض المقدسة أي المباركة المطهرة. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الجمعة، أن العدول إلى صيغة المضارع {يُسَبِّحُ} في هذه السورة وفي التغابن — بعد أن جاء بالماضي في الحديد والحشر والصف — إفادة لتجدد التسبيح واستمراره في كل حين؛ فمجموع المسبحات يستوعب الزمان كله. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن هذه الأوصاف الأربعة مقدمة لازمة لما بعدها من الامتنان بالبعثة؛ فإن إرسال الرسل من مقتضى الملك التام والحكمة البالغة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الافتتاح تمهيداً محكماً لموضوع السورة. فمدارها على منّة الله بالبعثة، ثم على تقصير من حُمّل الكتاب فلم يحمله، ثم على تشريع اجتماع الأمة على الذكر؛ وكل ذلك لا يستقيم إلا بعد تقرير أن الأمر لله وحده. وقد اختيرت الأوصاف الأربعة بعناية تناسب ما بعدها: فـ{الْمَلِكِ} يناسب أنه يتصرف في خلقه فيبعث فيهم من يشاء؛ و{الْقُدُّوسِ} يناسب أن مقصود البعثة تزكية النفوس وتطهيرها؛ و{الْعَزِيزِ} يناسب أن دينه غالب لا يُمنع؛ و{الْحَكِيمِ} يناسب أن اختيار الرسول من الأميين لحكمة بالغة. ثم إن ذكر الأرض بعد السموات تمهيد لذكر ما يقع على الأرض من تشريع الجمعة والانتشار فيها لابتغاء الفضل.