مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يفتتح المقطع الثاني بمثل ضربه الله لمن حمل العلم ولم يعمل به: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الجمعة، أن المعنى: مثل اليهود الذين كُلّفوا العمل بما في التوراة فلم يعملوا بها كمثل الحمار يُحمَّل كتباً لا يدري ما فيها ولا ينتفع بها؛ فهو يحمل ثقلها ويحرم فائدتها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا مثل ضربه الله لليهود الذين أُعطوا التوراة فخالفوها؛ وأن حكمه يعم كل من حمل كتاب الله ولم يعمل به. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الأسفار" جمع سِفر وهو الكتاب الكبير؛ سمي بذلك لأنه يُسفر عن المعنى أي يكشفه؛ وأن ذكر الحمار خاصة لأنه مضرب المثل في البلادة وقلة التمييز؛ وأن في الآية زجراً لكل عالم لا يعمل بعلمه. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير الآية، إلى أن قوله {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} انتقال من التمثيل إلى الذم الصريح؛ فجمع بين تقبيح الصورة وتقبيح الفعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا المثل في موضعه من السياق بدقة بالغة. فقد تقدم في الآيات ذكر البعثة في الأميين وأن الرسول يعلّمهم الكتاب والحكمة؛ فناسب أن يُذكر بعده حال من سبقهم إلى الكتاب فلم ينتفع به؛ ليكون في ذلك تحذير للأمة الجديدة أن تسلك مسلك من قبلها. وهذا المثل أيضاً امتداد لموضوع السورة السابقة؛ فإن الصف أنكرت على المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون، وهذه الآية تنكر على أهل الكتاب أن يعلموا ما لا يعملون؛ فالداء واحد وإن اختلفت صوره. ثم إن هذا التقرير مهّد للتحدي في الآية بعدها؛ إذ كيف يدّعي الولاية لله من كان هذا حاله مع كتابه؟ فالمثل حجة تسبق التحدي وتمهد له.