لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
أعاد الله تقرير الأسوة بعد الدعاء وقيّدها بقيد كاشف. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة الممتحنة، أن المعنى: لقد كان لكم في إبراهيم ومن معه قدوة حسنة، وأن قوله {لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} بيان لمن ينتفع بهذه الأسوة؛ فإن من لا يرجو لقاء الله لا يحمله شيء على مفارقة قومه لأجل الدين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن التكرار للتأكيد والتنبيه على أهمية المعنى، وأن قوله {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} وعيد لمن أعرض. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الغنى هنا وصف يقطع طمع المعرض في أن يكون إعراضه مؤثراً؛ فالله غني عن العالمين محمود في ذاته وإن لم يحمده أحد. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة من السورة، إلى أن قوله {فِيهِمْ} أعاد الضمير على إبراهيم ومن معه جميعاً، بخلاف الآية السابقة التي صرّحت بالاسم؛ وهذا من التفنن في العبارة بعد تقرر المرجع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تعيد ما قررته الآية الرابعة، ولكن مع فرق دقيق يكشف حكمة التكرار: الأولى ذكرت الأسوة وفصّلت مضمونها من البراءة والعداوة، وهذه ذكرت الأسوة وبيّنت شرط الانتفاع بها. فالأولى في الموضوع والثانية في المتلقي. وموقعها بعد الدعاء يفيد أن الدعاء نفسه من الأسوة كما تقدم. ثم إن ختمها بـ{وَمَن يَتَوَلَّ} تمهيد للآية التالية التي تفتح باب الرجاء؛ فبعد التحذير من الإعراض جاء الترغيب بأن العداوة قد تنقلب مودة. فالسياق يتنقل بين الترهيب والترغيب على نسق متوازن.