رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
هذه بقية دعاء إبراهيم ومن معه. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الممتحنة، أن أهل التأويل ذكروا في معنى {فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} وجوهاً: أحدها ألا يسلطهم الله عليهم فيفتنوهم عن دينهم، والثاني ألا يظهرهم عليهم فيظنوا أنهم على حق فيزدادوا كفراً، والثالث ألا يعذبهم الله بأيديهم ولا بعذاب من عنده فيقول الكافرون: لو كانوا على حق ما أصابهم هذا. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا ويظنوا أنهم على هدى. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الوجوه متلاقية، وأن الجامع بينها ألا يصير حال المؤمنين سبباً في تثبيت الكافر على كفره. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من السورة، إلى أن ختمها بـ{الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} مناسب للطلبين: فالعزة تمنع الغلبة عليهم، والحكمة تضع الأمور مواضعها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية متصلة بالتي قبلها اتصال التتمة؛ فقد ابتدأ الدعاء هناك بالتوكل والإنابة، وتمّ هنا بطلبين: دفع الفتنة وطلب المغفرة. ووجه ورود هذا الدعاء في سياق البراءة دقيق: فإن من أعلن البراءة من قومه عرّض نفسه للأذى والاستضعاف، فناسب أن يسأل ربه ألا يجعل ما يصيبه حجة للكافرين. ثم إن الآية التالية تعود إلى تقرير الأسوة مرة ثانية مع قيد جديد: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}؛ فكان الدعاء واسطة بين تقريرين للأسوة، وفي ذلك إشعار بأن الدعاء جزء من الأسوة لا حاشية عليها.