الْقَارِعَةُ
الْقَارِعَةُ
افتتح الله سبحانه السورة باسم من أسماء يوم القيامة، مجرداً عن كل ما يبيّنه في أول وهلة. والمعنى عند أئمة التفسير: القارعة هي الساعة التي تقرع القلوب بالفزع والأسماع بشدة صوتها وهولها. وذكر المفسرون أن الله سبحانه سمّى يوم القيامة بأسماء عدة، كل اسم منها ينبئ عن وجه من أوجه هولها: الحاقة، والطامة، والصاخة، والغاشية، والواقعة، والقارعة؛ فسميت قارعة لأنها تقرع الناس بأفزاعها. وقد جاء إطلاق «القارعة» في القرآن على ما ينزل من العذاب المستأصل أيضاً؛ كقوله سبحانه: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ}؛ فالمادة واحدة والمعنى متقارب. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن القارعة من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الابتداء بالاسم مجرداً من أساليب التهويل التي تُعِدّ نفس السامع لتلقي ما بعده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن تُفتتح السورة بكلمة واحدة لا تتصل بما يفسرها؛ فوقعت في السمع مجردة كالطرقة المفاجئة قبل أن يُعلم مصدرها. ولو قيل: «إن القيامة آتية» أو «اذكروا يوم القيامة» لذهب هذا الأثر كله؛ إذ الإخبار المرتب يهيئ النفس ويخفف الوقع، والإطلاق المجرد يصدمها. ثم إن هذا الافتتاح يقتضي ما بعده اقتضاءً لازماً؛ فإن السامع إذا سمع الاسم مجرداً طلبت نفسه البيان؛ فجاءت الآية الثانية استفهاماً لا بياناً؛ فزاد الطلب؛ ثم جاءت الثالثة استفهاماً مؤكداً؛ فبلغ التشوق غايته قبل أن يُعرض المشهد في الآية الرابعة. وموقع السورة بعد العاديات ظاهر؛ فتلك ختمت بأن الرب بعباده يومئذ خبير، وهذه افتتحت باسم ذلك اليوم؛ فكأن السورة اللاحقة جواب لما أُبهم في السابقة.