وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
هذا الشق الثاني من القسمة. والمعنى عند أئمة التفسير: وأما من رجحت سيئاته على حسناته فلم يكن له ما يثقل ميزانه. وذكر المفسرون أن خفة الموازين تكون بأمرين: بأن يكون العبد لا حسنات له أصلاً لكفره، وبأن تكون له حسنات لكنها لم ترجح على سيئاته. وقد جاء في القرآن ما يبيّن حال من لا وزن لعمله: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}؛ وذلك في حق من كفر بآيات الله ولقائه؛ فحبطت أعماله فلم تُوزن. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن خفة الموازين إنما تكون بترك الحسنات وارتكاب السيئات. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا في حق من رجحت سيئاته على حسناته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مقابلة للسادسة مقابلة تامة في التركيب؛ فلم يختلف البناءان إلا في الفعل: {ثَقُلَتْ} و{خَفَّتْ}. وهذا التطابق مقصود في النظم؛ لأن المراد بيان أن الميزان واحد والحكم واحد، وإنما اختلفت النتيجة باختلاف ما وُضع في الكفة. ولو غُيّر أسلوب أحد القسمين لأوهم التغيير اختلافاً في المعيار. وموقع هذه الآية من السورة أنها تمهّد لثلاث آيات متتابعة تتدرج في بيان المصير: ذكر المأوى مجملاً، ثم إبهامه للتهويل، ثم كشفه بالتصريح؛ فبينما اكتُفي في جزاء الأول بآية واحدة، بُسط في جزاء الثاني ثلاث آيات؛ لأن مقام التحذير يحتاج إلى إطالة لا يحتاجها مقام البشارة.