وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ
عاد الأسلوب إلى ما بُدئت به السورة من التهويل بالاستفهام. والمعنى: وأي شيء أعلمك ما هذه الهاوية وما حقيقة أمرها؟ أي إن شأنها أعظم من أن يبلغه إدراك أحد. والضمير في {هِيَهْ} عائد على {هَاوِيَةٌ} المذكورة في الآية قبلها. و«الهاء» في آخرها هاء السكت؛ زيدت لبيان الحركة عند الوقف؛ وقد أثبتها القراء في المشهور وقفاً ووصلاً اتباعاً لرسم المصحف. وقد تقدم أن ما جاء في القرآن بلفظ {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعقبه البيان؛ وهو ما وقع هنا؛ إذ جاء الجواب في الآية بعدها. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن إعادة هذا الأسلوب في آخر السورة كإعادته في أولها لتماثل المقامين في التهويل. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن الهاء هاء السكت، وأن إثباتها في الوصل جائز اتباعاً للمصحف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتقيم تناظراً محكماً بين طرفي السورة؛ فقد ورد {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} في الآية الثالثة، وورد {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} في الآية العاشرة؛ فأول ما أُبهم اسم اليوم، وآخر ما أُبهم مصير الخاسر؛ فبُنيت السورة بين إبهامين متناظرين، وكُشف كل منهما بما يليق به. وموقع هذه الآية من المقطع الأخير أنها تؤخر البيان لحظة بعد أن كاد يتم؛ فالسامع قد سمع لفظ {هَاوِيَةٌ} وتهيأ لمعرفة المراد، فجاء الاستفهام ليمد التشويق مرة أخرى؛ ثم جاء الجواب في كلمتين. وفي هذا التأخير حكمة: أن ما يُنتظر أشد وقعاً مما يُبذل ابتداءً.