فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
انتقل السياق من المشهد العام إلى الحكم الفردي. والمعنى عند أئمة التفسير: فأما من رجحت كفة حسناته على كفة سيئاته فترجّح ميزانه. وقد اختلف المفسرون في مفرد «الموازين»: فقيل جمع «ميزان»، وجُمع باعتبار تعدد ما يُوزن أو باعتبار أن لكل عمل ميزاناً؛ وقيل جمع «موزون»، أي الأعمال الموزونة نفسها. وأهل السنة على إثبات الميزان يوم القيامة على حقيقته، وأنه ميزان له كفتان تُوزن به الأعمال؛ كما دلت عليه النصوص. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد وفي كتاب الدعوات، ومسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن ثقل الموازين برجحان الحسنات على السيئات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم في هذه الآية من التصوير إلى الحكم، ومن الجمع إلى الفرد؛ وهذا انتقال محكم؛ إذ المقصود من عرض الأهوال ليس مجرد التخويف بل حمل السامع على النظر في مصيره الخاص. وموقع هذه الآية أنها فاتحة المقطع الثالث الذي تُقسم فيه الخلائق إلى فريقين لا ثالث لهما. وتقديم فريق الرابحين على الخاسرين موافق لسنن القرآن في تقديم الرحمة على العذاب والترغيب على الترهيب؛ ثم إن في التقديم فائدة أخرى: أن السامع يُعرض عليه المخرج قبل أن يُعرض عليه المهلك؛ فيبقى له باب أمل يدخل منه.