إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ
إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ
هذا ختام السورة، وفيه تقرير الحجة على ما تقدم كله. والمعنى: إن ربهم بهم في ذلك اليوم لعالم ببواطن أمورهم لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيهم على ما أسرّوا وما أعلنوا. و«الخبير» في أسمائه سبحانه: العالم بدقائق الأمور وبواطنها؛ وهو أخص من مطلق العلم؛ إذ الخبرة علم بما يخفى ويدق. وذهب المفسرون إلى أن تخصيص الخبرة بذلك اليوم ليس لحدوثها فيه؛ فإن الله سبحانه خبير أزلاً أبداً؛ وإنما لأن أثرها يظهر يومئذ بالجزاء والمحاسبة. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن ذكر «الخبير» في هذا المقام بعينه مناسب لما تقدم من تحصيل ما في الصدور؛ إذ الخبرة إنما تتعلق بالخفايا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت السورة بما هو أصل لكل ما تقدم فيها؛ فإن الكنود المذكور في أولها سرٌّ في النفس، والشهادة عليه شهادة باطنة، وحب المال ميل خفي، وتحصيل الصدور استخراج للمكنون؛ فناسب أن يُختم هذا كله باسم «الخبير» الذي هو العلم بالخفايا؛ فصارت الخاتمة جامعة لمحور السورة كله في لفظة واحدة. وقد وقع في هذه الآية التفات من الإفراد إلى الجمع؛ إذ كان الحديث عن {الْإِنسَانَ} مفرداً، فقيل هنا: {رَبَّهُم بِهِمْ}؛ لأن مقام الحساب مقام حشر واجتماع؛ فناسب الجمع في موضع الجزاء بعد الإفراد في موضع التشخيص. وبهذا الختام يتصل آخر السورة بأولها؛ إذ بدأت بجمع اقتحمته الخيل، وانتهت بجمع يقف بين يدي ربه.