فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
هذا جزاء الفريق الثاني، وقد جاء بتعبير بديع. والمعنى عند جمهور المفسرين: فمأواه ومسكنه الذي يأوي إليه النار؛ سُميت أماً له لأنه يأوي إليها كما يأوي الولد إلى أمه، ولأنها تضمه كما تضم الأم ولدها؛ وهذا على وجه التهكم والمقابلة. و«الهاوية» اسم من أسماء جهنم، مأخوذ من «الهوي» وهو السقوط من علو إلى سفل. وذهب بعض المفسرين إلى قول آخر: أن المراد بـ «أمه» أم رأسه أي دماغه؛ والمعنى أنه يهوي في النار على رأسه منكوساً؛ والقول الأول هو الذي عليه جمهور أهل التأويل، ويشهد له قوله بعده {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ}؛ إذ فسّرها بالنار. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين ورجّح أن المراد النار. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنى فمسكنه ومأواه النار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء التعبير عن مصير الخاسر بلفظ لا يُتوقع في هذا المقام؛ فبدل أن يقال «فمأواه النار» قيل {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}؛ وهذا العدول من أبدع ما في السورة؛ إذ يجمع بين شدة المعنى ولطف العبارة، ويصدم السامع بمفارقة بين اللفظ الحاني والمدلول المفزع. وموقع الآية من النظم أنها ابتداء التدرج الثلاثي في بيان المصير: ذُكر المأوى بلفظ مبهم، ثم أُبهم أكثر بالاستفهام في الآية بعدها، ثم كُشف بالتصريح في الخاتمة؛ وهذا التدرج يناظر تدرج التهويل في مطلع السورة؛ فبُنيت السورة على نسق واحد في طرفيها.