وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ
هذا هو الطور الثالث من التهويل؛ والمعنى: وأي شيء أعلمك يا محمد ما شأن القارعة وما حقيقة هولها؟ أي إن أمرها أعظم من أن تبلغه دراية أحد لولا إعلام الله إياه. وقد قرر أهل التفسير قاعدة مطردة في أسلوب القرآن: أن كل ما جاء فيه بلفظ {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعلم الله به نبيه ﷺ وبيّنه بعده، وكل ما جاء بلفظ {وَمَا يُدْرِيكَ} فقد استأثر بعلمه؛ ولذلك جاء البيان بعد هذه الآية مباشرة في وصف يوم القيامة. وهذه القاعدة مذكورة في كتب التفسير عند مواضعها. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا الأسلوب يفيد تعظيم شأن المسؤول عنه. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الخطاب في {أَدْرَاكَ} موجه إلى النبي ﷺ والمراد به كل سامع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ التهويل في هذه الآية غايته؛ فقد تدرج النظم في ثلاث مراتب: إطلاق الاسم مجرداً، ثم السؤال عن حقيقته، ثم تقرير أن حقيقته خارجة عن مدى الإدراك المعتاد. وهذا التدرج الثلاثي هو الذي يهيئ النفس لتلقي المشهد في الآية الرابعة؛ إذ لو عُرض المشهد ابتداءً لتلقته النفس تلقي الخبر العادي؛ فلما سبقه هذا التمهيد صارت النفس مهيأة لاستعظام ما ستسمع. ثم إن هذه الآية تناظر الآية العاشرة {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}؛ فتكرر الأسلوب في أول السورة وفي آخرها؛ فانعقد بين الطرفين تناظر يشد بناء السورة ويجعلها كالدائرة المغلقة.