مَا الْقَارِعَةُ
مَا الْقَارِعَةُ
لما أطلق الله سبحانه الاسم مجرداً، أعقبه بالاستفهام لا بالبيان. والمعنى عند أئمة التفسير: أي شيء هي القارعة؟ وهو استفهام أُريد به التعظيم والتهويل لا طلب العلم؛ إذ ليس المقام مقام سؤال ولا جهل؛ وإنما هو أسلوب عربي معروف يُقصد به تفخيم شأن المسؤول عنه وإشعار السامع بأنه فوق ما يبلغه وصفه. وذكر المفسرون أن هذا من مواضع الاستفهام الذي يُراد به التعجيب؛ ونظيره في القرآن قوله سبحانه: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ}، وقوله: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن هذا الاستفهام تعظيم لشأنها وتهويل لأمرها. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذا مما يُهوّل به شأن القيامة ويُفخّم به أمرها في النفوس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في موضع من النظم لا يقوم غيره مقامه؛ فالسامع بعد سماع الاسم مجرداً في الآية الأولى قد تحركت نفسه إلى معرفة المسمى؛ فلو جاء البيان مباشرة لسكنت النفس وانطفأ التشوق؛ فجاء الاستفهام ليزيد الطلب لا ليقضيه. وهذا من أدق ما يُبنى عليه خطاب التهويل: أن يُماطَل السامع في البيان حتى يبلغ التشوق مداه. ثم إن الآية ممهّدة للثالثة تمهيداً لازماً؛ إذ الاستفهام المجرد قد يُجاب عنه بوصف، فجاءت الثالثة تقطع هذا الاحتمال بقولها {وَمَا أَدْرَاكَ}؛ أي إن حقيقتها فوق ما يبلغه إدراك المخاطب أصلاً؛ فتدرج النظم من الإبهام إلى تقرير العجز عن الإدراك.