وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ
هذه الصورة الثانية من مشهد ذلك اليوم. والمعنى عند أئمة التفسير: وتصير الجبال في تفتتها وخفتها وتطايرها كالصوف المندوف الذي تفرقت أجزاؤه فصار يذهب مع الريح. و«العِهْن» عند أهل اللغة: الصوف المصبوغ ألواناً؛ وقيل: الصوف مطلقاً؛ والأول أشهر. و«المنفوش»: المفرَّق المندوف الذي زال تلبده. وقد جاء وصف الجبال في مواضع من القرآن بأطوار متدرجة: فتُدك، ثم تُسيَّر، ثم تكون كالعهن، ثم تصير هباءً منبثاً؛ وهذه أطوار متعاقبة لا أقوال متعارضة. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن العهن الصوف المصبوغ، وأن تخصيصه بالذكر لتلوّن الجبال بألوان مختلفة. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الجبال تصير كالصوف المنفوش الذي قد شُرع في زواله وذهابه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مكمّلة للتي قبلها ومقابلة لها؛ فقد صُوّر الناس بأضعف ما يطير، وصُوّرت الجبال بما هو أخف من الهواء بعد أن كانت أرسخ ما في الأرض؛ فاستوعب المشهد طرفي الوجود: الحي الضعيف والجماد الراسخ. وفي هذا الاستيعاب حجة على المخاطبين؛ إذ كانوا يتحصنون بالجبال ويضربون بها المثل في الثبات؛ فإذا صارت كالصوف المندوف لم يبق للنفس مطمع في ملجأ. ثم إن ترتيب الصورتين على هذا النحو ــ الناس أولاً ثم الجبال ــ مقصود؛ إذ بُدئ بمن يُخاطَب ليرى نفسه، ثم ثُني بما كان يعتمد عليه ليرى انهيار سنده؛ فتم الإنذار من جهتي النفس والملجأ.