يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ
بعد ثلاث آيات من الإبهام، جاء البيان بعرض المشهد. والمعنى عند أئمة التفسير: تقع هذه القارعة يوم يكون الناس في كثرتهم وتفرقهم وحيرتهم واضطرابهم كالفراش المنتشر المتفرق. و«الفراش» عند أهل اللغة: صغار الطير التي تتساقط في النار وتتهافت على الضوء، ولا تستقر على جهة، ولا تعرف مقصداً. وقد ورد نظير هذا التشبيه في موضع آخر من القرآن بلفظ الجراد: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}؛ فالتشبيهان متقاربان في معنى الكثرة والانتشار، إلا أن الفراش أدل على الحيرة والتهافت وضعف القصد. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير الفراش بالمنتشر المتفرق. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن وجه الشبه هو الانتشار والتفرق والذهاب والمجيء من الحيرة والدهش.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء البيان في هذه الآية بعد أن بلغ التشويق غايته في الآيات الثلاث قبله؛ فوقع موقعه من النفس؛ وهذا من إحكام النظم: أن يُؤخَّر البيان إلى حين تمام التهيؤ له. ثم إن اختيار الناس ليكونوا أول ما يُصوَّر من مشاهد ذلك اليوم مقصود؛ لأن المخاطبين هم المعنيون بالإنذار؛ فبُدئ بهم قبل الجبال ليروا أنفسهم في الصورة أولاً. ثم إن هذه الآية ممهّدة لما بعدها؛ إذ ذُكر حال الضعيف من الخلق، فأُتبع بحال أقوى ما في الأرض وأثبته وهو الجبال؛ فتكامل المشهد وشمل طرفي القوة والضعف؛ ثم انتقل السياق بعدهما إلى الحكم الفردي في المقطع الأخير.