إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
هذا جواب القسم الذي انتُظر منذ مطلع السورة. و«الكَنود» في أشهر أقوال أهل التأويل: الكَفور للنعمة، الجَحود لها، المانع لحق ربه عليه. قال جمهور المفسرين: هو الذي يعدّ المصائب وينسى النعم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل تفسير الكنود بالكفور؛ وذكر أن أهل اللغة يقولون: أرض كنود، إذا كانت لا تنبت شيئاً؛ فسمي الجاحد كنوداً لأنه لا يُنبت خيراً كما لا تنبت تلك الأرض. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا الوصف تشخيص لطبع غالب في جنس الإنسان من حيث هو، لا حكم على كل فرد بعينه؛ إذ قد استثنى الله من ذلك أهل الإيمان في نظائر هذا الأسلوب من القرآن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم الجواب مع القسم انتظاماً محكماً؛ فقد عُرض خمس آيات مشهدُ مخلوق أعجم يبذل نَفَسه وحوافره وقوته في طاعة راكبه، ثم قيل: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}؛ فوقعت المقابلة في النفس من غير أن يُصرَّح بها بحرف واحد؛ وهذا أبلغ من التصريح؛ إذ ما استخرجه السامع بنفسه أثبت عنده مما لُقّنه. ثم إن هذا الجواب هو مفتاح المقطع الثاني كله؛ إذ يليه بيان الحجة عليه: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ}، ثم بيان علته الباعثة: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}؛ فجاء الترتيب: وصف، فحجة، فسبب.