وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
هذه القضية الثالثة في جواب القسم، وفيها بيان الباعث على الكنود. و«الخير» في هذا الموضع هو المال؛ وهذا هو المعروف عند أهل التأويل، وقد جاء إطلاق «الخير» على المال في القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، وقوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ}؛ فالمراد بالخير في هذه المواضع المال. و«الشديد» فيه معنيان لأهل التفسير: أن يكون بمعنى القوي المبالغ في المحبة؛ أي: لحب المال لقوي المحبة مفرط فيها؛ وأن يكون بمعنى البخيل؛ من قولهم: «فلان شديد» أي ممسك؛ ومنه قولهم: «شدّ يده» إذا بخل. وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن المعنى الأول أقرب إلى مقتضى النظم؛ لأن اللام في {لِحُبِّ} متعلقة بـ {شَدِيدٌ} على معنى القوة في المحبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية بناء المقطع الثاني على ترتيب محكم: وصفٌ للداء في الآية السادسة، ثم إقامة الحجة على صاحبه في السابعة، ثم كشف علته الباعثة في الثامنة. وهذا هو ترتيب أهل النظر في تشخيص العلل: يُذكر العَرَض، ثم يُثبت وقوعه، ثم يُرد إلى سببه. ثم إن هذه الآية مهدت لما بعدها تمهيداً دقيقاً؛ فإن الدواء الذي سيُذكر ــ وهو التذكير بيوم البعث ــ إنما يعالج هذا السبب بعينه؛ إذ شدة التعلق بالمال إنما تنشأ من انحصار النظر في العاجل؛ فإذا فُتح للنفس باب الآخرة انكسرت هذه الشدة.