وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا
افتتح الله سبحانه هذه السورة بقسم هو أول خمسة أقسام متتابعة ترسم مشهداً واحداً في مراحله. و«العاديات» جمع «عادية»، وهي الجارية بشدة؛ و«الضَّبْح» صوت يُسمع من أجوافها عند شدة العَدْو، ليس بصهيل ولا حمحمة، وإنما هو نَفَس متردد يشبه «أحْ أحْ». وقد اختلف السلف في المراد بهذه العاديات على قولين مشهورين:
القول الأول: أنها الخيل تعدو في الغزو في سبيل الله؛ وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال به مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك؛ ورجّحه الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية، ومال إليه ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسيرها. وحجته أن الضَّبْح إنما يُعرف في كلام العرب للخيل خاصة، وأن الأوصاف التالية ــ من الإيراء بالحوافر والإغارة صبحاً ــ أشبه بها.
القول الثاني: أنها الإبل في الحج تعدو من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى؛ وهو المروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال به إبراهيم النخعي وعبيد بن عمير، ورُوي نحوه عن ابن مسعود رضي الله عنه. ونقل الطبري وابن كثير عند تفسير هذه الآية أن رجلاً سأل ابن عباس عن العاديات فقال: الخيل، فبلغ ذلك علياً رضي الله عنه فقال ما معناه: أوَكانت لنا يومئذ خيل؟ إنما نزلت ونحن بمكة، وما كان معنا يوم بدر إلا فرسان؛ إنما العاديات الإبل من عرفة إلى جمع. قال ابن عباس: فرجعت إلى قوله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة النظم أن يُبدأ بالقسم قبل الجواب؛ لأن الجواب الآتي ــ وهو وصف الإنسان بالكنود ــ حكم ثقيل على النفس تنفر منه وتجادل عنه؛ فاحتيج إلى مقدمة تشد السمع وتهيئ القلب لتلقيه. ثم إن هذا المقسَم به ليس مجرد أداة لتعظيم الكلام، بل هو حجة على المقسَم عليه؛ إذ يُعرض على السامع مخلوق أعجم لا عقل له ولا تكليف، يُفني قوته ونَفَسه في طاعة راكبه بلا تلكؤ، ثم يقال بعد خمس آيات: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}؛ فتقوم المقابلة في النفس من غير أن يُصرَّح بها.