وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ
وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ
لما قرر الله سبحانه وصف الكنود، أتبعه بإقامة الحجة عليه من داخله. وللمفسرين في مرجع الضمير في {وَإِنَّهُ} قولان: أظهرهما وأشهرهما عند جمهور المفسرين أن الضمير عائد على الإنسان؛ والمعنى: وإن الإنسان على كنوده لشاهد من نفسه، يعلم من حاله ما يخفى على غيره، ولو جادل بلسانه؛ ونظيره قوله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}. والقول الثاني: أن الضمير عائد على الله سبحانه؛ أي: وإن الله على كنود الإنسان لشهيد لا يخفى عليه منه شيء. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين، ورجّح الأول لاتساق الضمائر؛ إذ الضمير في الآية بعدها {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} عائد على الإنسان قطعاً؛ فحمل الضمائر المتجاورة على مرجع واحد أولى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في موضعها الذي لا يصلح غيره؛ فإن الحكم المتقدم ثقيل والنفس تنازع فيه؛ فلو أُتبع بحجة من خارج لجادلت وأنكرت؛ فأُتبع بحجة من داخلها لا تملك دفعها. وهذا أقطع أنواع البينة؛ إذ الخصم إذا صار شاهداً على نفسه سقط الجدال. ثم إن هذه الآية مهدت للتي بعدها؛ فإن الإنسان لما كان شاهداً على كنوده احتاج إلى بيان السبب الذي حمله عليه مع علمه به؛ فجاء الجواب: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}؛ فعُلم أن المانع ليس الجهل بل غلبة الهوى.