فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا
هذا خاتمة الأقسام الخمسة، وفيه منتهى المشهد. و«وسَطن» توسطن ودخلن في وسطه. والمعنى عند جمهور المفسرين: فتوسطن بذلك الغبار جمع العدو وحالت بين أطرافه؛ أي: بلغن قلب جماعتهم واخترقنها. ومن فسّر العاديات بالإبل قال: {جَمْعًا} هي المزدلفة؛ فإنها تُسمى «جَمْعاً» في لسان العرب لاجتماع الناس بها، والمعنى: فبلغن المزدلفة وتوسطنها. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن تسمية المزدلفة بجمع معروفة، وأن حمل الآية عليه إنما يستقيم على القول الثاني في العاديات. والقول الأول هو الجاري على ما رجّحه أكثر المفسرين في أول السورة؛ إذ توسط الجمع ثمرة الإغارة المذكورة قبله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تمت لوحة القسم على غايتها؛ فقد بدأ المشهد بحركة فردية ــ عَدْو وضبح ــ وانتهى إلى اقتحام جمع كامل؛ فانتقل من الجزء إلى الكل، ومن الفرد إلى الجماعة. وفي هذا تمهيد بديع لما بعده؛ إذ سينتقل الكلام مباشرة إلى {الْإِنسَانَ}؛ وهو لفظ مفرد يراد به الجنس؛ فبعد أن عرض المشهد جمعاً مقتحَماً، انتقل إلى نفس الإنسان فاقتحمها بالوصف؛ فكأن الغارة الحسية مهدت لغارة أخرى على القلب. ثم إن اللفظ {جَمْعًا} في آخر القسم يوافق ختام السورة {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ}؛ إذ الضمير فيه جمع؛ فبدأ الجمع في القسم وعاد في الجواب.