فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا
انتقل النظم من الأوصاف الاسمية إلى الأفعال؛ فقيل: {فَأَثَرْنَ}، ومعناه: هيّجن وأطلقن. و«النَّقْع» الغبار المرتفع؛ قال أهل التفسير: هو ما تثيره الحوافر من التراب حتى يعلو ويعم المكان. وأما الضمير في {بِهِ} فذهب المفسرون فيه مذاهب: قيل يعود على مكان الإغارة وإن لم يُذكر لدلالة السياق عليه؛ وقيل يعود على الوقت المفهوم من {صُبْحًا}؛ أي: أثرن في وقت الصبح غباراً؛ وقيل يعود على العَدْو المفهوم من {الْعَادِيَاتِ}؛ أي: أثرن بعدوهن نقعاً؛ فتكون الباء للسببية. وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن عود الضمير إلى المكان أو الزمان المفهوم من السياق جارٍ على سنن العرب في كلامها؛ إذ يُكتفى بدلالة القرينة عن التصريح.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا موضع التحول الكبير في نظم المقطع؛ إذ انتقل الكلام من الوصف الثابت إلى الفعل الواقع؛ ومن الغيبة في صيغة اسم الفاعل إلى إسناد الفعل إلى نون النسوة. وحكمة هذا التحول أن الأوصاف الثلاثة الأولى تقرير لهيئة هذا الجنس، وأما الأخيران فحكاية لما وقع منه بالفعل في تلك الغارة بعينها؛ فانتقل السامع من التعريف إلى المشاهدة. وقد جاء إثارة الغبار في موضعه الطبيعي من ترتيب الحدث؛ إذ لا يثور النقع إلا بعد اجتماع الخيل واشتداد عدوها في موضع واحد؛ فهو أثر مركب على الأوصاف الثلاثة كلها.