وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ
وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ
هذا الشطر الثاني من مشهد الاستخراج؛ فبعد إخراج ما في القبور من الأجساد جاء إخراج ما في الصدور من الأسرار. و«التحصيل» في اللغة: تمييز الشيء وإبرازه وإخراج خالصه؛ قال أهل التأويل: مُيّز ما في الصدور من خير وشر فأُظهر وبُيّن. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معناه: أُبرز ما في الصدور من النيات والضمائر فصار ظاهراً بعد أن كان مكتوماً. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الجمع بين إخراج ما في القبور وتحصيل ما في الصدور يفيد استيعاب الحساب للظاهر والباطن جميعاً. وهذا موافق لقوله تعالى في موضع آخر: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): قُرن إخراج ما في القبور بتحصيل ما في الصدور؛ فتمّ بذلك ميزان العدل بشقيه: بدنٌ يُخرج من مستودعه، وسرٌّ يُخرج من مستودعه. وهذا أدق ما يناسب مقصود السورة؛ إذ كان الداء المذكور فيها باطناً كله: كنود مستور يُخفيه صاحبه بالمعاذير، وحبٌّ للمال لا يراه الناس؛ فناسب أن يكون الدواء مشهد استخراج البواطن. ثم إن ترتيب القبور قبل الصدور جارٍ على ترتيب الوقوع؛ إذ يُبعث الجسد أولاً ثم يُحاسب على ما في قلبه؛ فالنظم موافق للحدث في تسلسله.