فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا
فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا القسم الثالث؛ و«الإغارة» الهجوم على العدو بغتة؛ يقال: أغار على القوم يُغير إغارة، فهو مُغير. والمعنى: فالتي تُغير على العدو وقت الصبح. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ذكر الصبح جرى على عادة معلومة في الغارات؛ إذ كانت العرب تُبيّت عدوها ثم تُغير عليه مع أول الضياء ليتبين موضع القوم ولا يقع فيهم قتل بغير تمييز. وقد كان من هدي النبي ﷺ في مغازيه أنه لا يُغير على قوم حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أغار؛ وهذا ثابت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة. وعلى القول الآخر في العاديات ــ وهو أنها الإبل ــ يكون المعنى: الدافعات من المزدلفة عند الإسفار؛ وقد تقدم تحرير القولين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ المشهد بهذا القسم الثالث غايته من الأوصاف الثابتة؛ فبعد صوت النَّفَس وشرر الحوافر جاءت الغاية التي كان العَدْو لأجلها. وفي تقييد الإغارة بالصبح تعيينٌ للحظة التي ينتقل فيها المشهد من الحركة في الظلام إلى الظهور في الضوء؛ فأصبح المقطع كله يمثل انتقالاً من خفاء إلى انكشاف. وهذا المعنى متصل بآخر السورة اتصالاً دقيقاً؛ إذ خاتمتها: {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}، وهو انكشاف المستور أيضاً؛ فبدأت السورة بانكشاف حسي عند الصبح، وختمت بانكشاف أعظم منه في يوم البعث.