أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ
أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ
انتقل السياق من تشخيص الداء إلى ذكر دوائه؛ فجاء الاستفهام الإنكاري التوبيخي يوقظ الغافل. والمعنى: أفلا يعلم هذا الإنسان الكنود الشديد الحب للمال ما يصير إليه حاله إذا بُعثر ما في القبور؟ و«بُعثر» بمعنى أُثير وقُلب وأُخرج ما في باطنه إلى ظاهره؛ قال أهل التأويل: بُحث عن الموتى فأُخرجوا من قبورهم أحياءً. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «البعثرة» في كلام العرب إثارة الشيء وقلبه وإخراج ما في جوفه؛ يقال: بعثرت المتاع، إذا قلبته ظهراً لبطن. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآيات أن هذا التذكير هو موضع العلاج في السورة؛ إذ من أيقن باستخراج ما في القبور والصدور انقطع عنه سبب الكنود.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا المقطع الثالث في موضعه من البناء المحكم؛ فبعد تقرير الداء وسببه احتيج إلى ما يقلعه من أصله. والعلاج المذكور ليس أمراً ولا نهياً وإنما هو فتح للنظر على مشهد؛ لأن الداء كان في النظر لا في العلم المجرد؛ إذ الإنسان لم يكنُد لجهله بالله، وإنما لانحصار بصره في العاجل؛ فعُولج بتوسيع أفق النظر إلى ما بعد الموت. ثم إن اختيار «القبور» أول ما ذُكر مقصود؛ فإن القبر هو منتهى ما يجمعه الإنسان؛ فمن اشتد حبه للمال ذُكّر بالموضع الذي لا يدخله معه شيء مما جمع.