فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا
فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا
هذا القسم الثاني، معطوف على الأول بالفاء الدالة على الترتيب مع قرب المهلة. و«الإيراء» إخراج النار، و«القَدْح» الصك والضرب الذي تنقدح به. والمعنى عند جمهور المفسرين: فالخيل التي تُخرج النار بحوافرها إذا صكّت الحجارة في عدوها؛ فيتطاير الشرر منها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوالاً أخرى لأهل التأويل: منها أنها نيران الحاج توقَد بالمزدلفة، وهو جارٍ على قول من فسّر العاديات بالإبل؛ ومنها أنها مكر الرجال وحيلهم في الحرب، من قولهم: «أورى فلان زناد الفتنة»؛ ومنها أنها ألسنة الرجال إذا اقتدحوا الكلام في المجالس. والقول الأول هو الذي عليه أكثر المفسرين؛ لأنه الجاري على حقيقة اللفظ من غير صرف إلى مجاز، ولأن السياق سياق مشهد حسي متتابع لا سياق مثل مضروب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا القسم في موضعه من التدرج المحكم؛ فإن الإيراء أثر مترتب على العَدْو لا وصف مستقل عنه؛ ولا تقدح الحوافر النار إلا إذا اشتد الجري وصلبت الأرض؛ فصار الوصف الثاني برهاناً على منتهى الوصف الأول. وفيه إشعار بأن البذل قد بلغ حداً تولّدت منه النار؛ وهي أقصى ما يُتصور من أثر الجهد في الجماد. وبهذا يتصاعد المشهد صعوداً منتظماً: صوت يُسمع، ثم شرر يُرى، ثم غارة تقع.