وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
هذا الشطر الثاني من القاعدة؛ والمعنى: ومن يعمل زنة أصغر شيء يُتصور من الشر يرَ جزاءه ووباله. وقد جاء هذا الشطر مطابقاً للأول في البناء؛ ليستقر في النفس أن الميزان واحد في الطرفين لا يميل. وذهب المفسرون إلى أن المؤمن يرى سيئاته في الدنيا بما يصيبه من المصائب المكفّرة، ويرى ما بقي منها يوم القيامة معروضاً عليه ثم يعفو الله عمن يشاء. وقد تقدم في الآية قبلها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في وصف هاتين الآيتين بأنهما «الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، ومسلم في صحيحه في كتاب الزكاة. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن الآية أصل في ألا يُستهان بشيء من المعاصي وإن صغر؛ لأن الصغيرة مع الإصرار تصير كبيرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية خاتمة للسورة، ومطابقة للآية قبلها في اللفظ والبناء إلا في كلمة واحدة. وهذا التطابق مقصود؛ لأن المراد إثبات استواء الكفتين في الدقة؛ فلو غُيّر البناء لأوهم التغيير تفاوتاً في العناية بالإحصاء. ثم إن جعل الشر آخراً بعد الخير موافق لمقصود السورة؛ فإنها بدأت بالتهويل وانتهت بالتكليف؛ فناسب أن يكون آخر ما يقرع السمع هو التحذير الذي يبقى أثره في القلب. وتناسب الخاتمة مع الفاتحة ظاهر: بدأت السورة بأعظم حدث في الكون وختمت بأصغر مقدار في العمل؛ فجمعت بين طرفي العظمة والدقة في ثماني آيات؛ لتقرر أن الذي دبّر ذلك الحدث الهائل هو الذي يحصي هذا المقدار الضئيل.