وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا
ينتقل النظم من التشريع إلى التخويف: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة الطلاق، أن المعنى: وكم من أهل قرية استكبروا عن أمر ربهم وأمر رسله فلم ينقادوا لهما، فحاسبناهم على أعمالهم حساباً شديداً وعذبناهم عذاباً منكراً فظيعاً. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن "العتوّ" هو التمرد والاستكبار، وأن نسبة الحساب والتعذيب إلى ضمير العظمة فيه تهويل عظيم. وأشار القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، إلى أن "نُكْراً" معناه المنكر الفظيع الذي تنكره النفوس ولم تعهد مثله. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن ذكر هذه الآيات بعد أحكام الطلاق تحذير من التهاون بحدود الله في هذه الأحكام؛ إذ العتوّ عن أمر الله في الأسرة من جنس العتوّ الذي أهلك القرى وإن اختلف المقدار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تناسب هذه الآية مع ما قبلها ظاهر لمن تدبر؛ فقد استوفت السورة بيان الحقوق في الطلاق والعدة والسكنى والنفقة والرضاع، وهي حقوق تقع في البيوت ولا يشهدها أحد في الغالب؛ فناسب أن يُذكر بعدها ما يزجر النفوس عن التهاون بها. وقد ذكرت السورة أشدّ ما يتصور من العقوبة على العتوّ لتقيس النفوس عليه ما دونه. ثم إن هذه الآية والتي بعدها تناظران ما في سورة التغابن السابقة من قوله {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ}؛ بل جاء اللفظ نفسه في الآية التالية: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا}؛ فبين السورتين تناسب في اللفظ والمعنى.