لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
افتتح الله سبحانه السورة بجملة منفية تقرر حال الكافرين قبل مجيء الرسالة الخاتمة. و{الَّذِينَ كَفَرُوا} هنا صنفان: أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمشركون من عبدة الأوثان؛ فجمعهم النص في حكم واحد وإن اختلفت مشاربهم. ولأهل التفسير في معنى {مُنفَكِّينَ} أقوال متقاربة يجمعها معنى الانفصال والزوال: فقيل: لم يكونوا زائلين عما هم عليه من الكفر وتاركيه حتى تأتيهم الحجة فتقوم عليهم؛ فبعضهم آمن وبعضهم أصرّ. وقيل: لم يكن الله ليتركهم مهملين منفكين عن التكليف والإنذار حتى يبعث إليهم رسولاً يقيم عليهم الحجة؛ فالنفي متوجه إلى الترك لا إلى فعلهم. وقيل: لم يكونوا منتهين عن وصف الكفر ولا مفارقين له إلا بعد قيام البينة. وقرر الزمخشري في الكشاف عند تفسير هذه الآية أن {مُنفَكِّينَ} جاء مطلقاً غير مقيد بمتعلق؛ لأن المراد معناه المجرد وهو الزوال والانفصال، لا انفكاك شيء عن شيء بعينه. وناقش ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية وجوه هذا التركيب وبيّن أن الغاية في {حَتَّىٰ} غاية للنفي لا للمنفي؛ فيؤول المعنى إلى أن حالهم استمرت إلى أن جاءت البينة، فوقع بمجيئها الفصل بين مهتدٍ ومعاند.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اختير للسورة مطلع منفي معلق الغاية؛ وهو أسلوب يورث في السامع تشوفاً مضاعفاً: تشوفاً إلى معرفة ما لم يكونوا منفكين عنه، وتشوفاً إلى معرفة هذه «البينة» الموعودة. فلما اجتمع في المطلع إبهامان تعلّق القلب بالبيان؛ فجاءت الآية الثانية تكشف الثاني منهما مباشرة: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ}. وفي جمع أهل الكتاب مع المشركين في صف واحد نكتة نظمية مقصودة؛ إذ العادة أن يُميَّز صاحب الكتاب عن الوثني بشرف الانتساب؛ فلما جُمعا في وصف الكفر عُلم أن العبرة بالموقف من الحجة لا بسابقة الانتساب؛ وهذا يمهد لخاتمة السورة حيث يُجمعان مرة أخرى في {شَرُّ الْبَرِيَّةِ}. وبهذا انعقد بين مطلع السورة وخاتمتها رباط محكم: بدأ بذكر الصنفين قبل الحجة، وختم بذكرهما بعدها.